محمد بن جرير الطبري
121
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ لا يبسطونها بخير . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ قال : يقبضون أيديهم عن كل خير . وأما قوله : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ فإن معناه : تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره ، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته . وقد دللنا فيما مضى على أن معنى النسيان الترك بشواهده ، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ نسوا من الخير ، ولم ينسوا من الشر . قوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ يقول : إن الذين يخادعون المؤمنين بإظهارهم لهم بألسنتهم الإيمان بالله ، وهم للكفر مستبطنون ، هم المفارقون طاعة الله الخارجون عن الإيمان به وبرسوله . القول في تأويل قوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ يقول تعالى ذكره : وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ بالله نارَ جَهَنَّمَ أن يصليهموها جميعا . خالِدِينَ فِيها يقول : ماكثين فيها أبدا ، لا يحيون فيها ولا يموتون . هِيَ حَسْبُهُمْ يقول : هي كافيتهم عقابا وثوابا على كفرهم بالله . وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ يقول : وأبعدهم الله وأسحقهم من رحمته . وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ يقول : وللفريقين جميعا ، يعني من أهل النفاق والكفر عند الله ، عذاب مقيم دائم ، لا يزول ولا يبيد . القول في تأويل قوله تعالى : كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين الذين قالوا إنما كنا نخوض ونلعب : أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزءون ، كالذين من قبلكم من الأمم الذين فعلوا فعلكم فأهلكهم الله ، وعجل لهم في الدنيا الخزي مع ما أعد لهم من العقوبة والنكال في الآخرة ؟ يقول لهم جل ثناؤه : واحذروا أن يحل بكم من عقوبة الله مثل الذي حل بهم ، فإنهم كانوا أشد منكم قوة وبطشا ، وأكثر منكم أموالا وأولادا . فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ يقول : فتمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم ، ورضوا بذلك من نصيبهم في الدنيا عوضا من نصيبهم في الآخرة . وقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم ، يقول : فعلتم بدينكم ودنياكم كما استمتع الأمم الذين كانوا من قبلكم الذين أهلكتهم بخلاقهم أمري ، بخلاقهم ، يقول : كما فعل الذين من قبلكم بنصيبهم من دنياهم ودينهم ، وخضتم في الكذب والباطل على الله كالذي خاضوا ، يقول : وخضتم أنتم أيها المنافقون كخوض تلك الأم قبلكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني أبو معشر ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " لتأخذن كما أخذ الأمم من قبلكم ، ذراعا بذراع ، وشبرا بشبر ، وباعا بباع ؛ حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه " . قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم القرآن : كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا قالوا : يا رسول الله ، كما صنعت فارس والروم ؟ قال : " فهل الناس إلا هم " . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج